#أغورا_فلسفة#أوغستين_ابن_الدموع_و_فلسفة_عصر_الوسيط#محمد_نفاع https://agorafalsafa.blogspot.com/2025/07/blog-post_56.html
أوغستين "ابن الدموع".. وفلسفة العصر الوسيط..
تقديم:
إذا اعتبرنا أن الفلسفة
الوسيطية حقا هي فلسفة ظلام وظلم وجهل كما ظنها بعض مؤرخي الفلسفة الغربية.. فكيف
نعتبرها نحن فلسفة ممهدة لفلسفة عصر النهضة وحاملة للإرهاصات الأولى لفكر أوربي
متنور؟ وهل يمكن اعتبار القديس أوغسطين من المؤثرين الفاعلين في هذه المرحلة الوسيطية؟
وأي دور للدين المسيحي في بلورة فلسفة أوغستين؟
فمن هو القديس
أوغيسطين؟ وكيف كانت حياته، وثقافته؟ وما هي أهم مؤلفاته؟
بقيت الفلسفة الوسيطية
مهملة لمدة طويلة بسبب الظن الخاطئ في كونها مرحلة فكر بربري، غير مثمر، لا فائدة
منه.. ولا دور لها في تنوير عصر النهضة بينما الحقيقة أن فلسفة عصر النهضة لم تجد
توهجها إلا في ارتباطها بالعصر الوسيط أو لنقل لم تمتد جذورها إلى العصور السابقة
التي تغذت منها وتربت قبل أن تنضج وتختمر. وقد زعم أن فلسفة العصور الوسطى ليست
فلسفة حقيقية وإنما هي فكر لاهوتي أي فكر ديني، ونظرات آبائية، وأيديولوجيات
ميتافيزيقية تضع مفاهيم محدودة دينية تسعى من بعد لتبريرها وفلسفتها.. يعني هذا
أنها وضعت الإيمان قبلا، وجعلته ضروريا للعمل العقلي. وقد حاولت أن توافق بينهما
من خلال المبدأ القائل: "آمن كي تتعقل، وتعقل كي تؤمن" فكان دمجها للفلسفة
بالدين، والعقل بالنقل فاعتبرا واحدا حتى من منهجهما كان واحدا رغم تناقضهما لأن
اعتقادهم يعتبرهما أنهما مع من مصدر واحد هو الله، فعبرت عن عصرها بتوفيقها بين
العقل والنقل، والحياة الأخروية التي ساد الاهتمام بها. وأن الإنسان في حينها كان
في وضعية اجتماعية واقتصادية وتاريخية تحتم اللجوء للدين وتعاليمه وتقبل مباحثه
بدل مباحث موضوعية وعلمية ترتكز على سلطان العقل والمناهج والقوانين والعلوم
الطبيعية.
إذن كيف سنجيب عن سؤال
ولادة أوغسطين من ثقافة تنحصر في الأديرة وكتب قليلة وانعدام الكتب اليونانية؟
أوغستين "ابن الدموع".. وفلسفة العصر الوسيط..
تقديم:
إذا اعتبرنا أن الفلسفة
الوسيطية حقا هي فلسفة ظلام وظلم وجهل كما ظنها بعض مؤرخي الفلسفة الغربية.. فكيف
نعتبرها نحن فلسفة ممهدة لفلسفة عصر النهضة وحاملة للإرهاصات الأولى لفكر أوربي
متنور؟ وهل يمكن اعتبار القديس أوغسطين من المؤثرين الفاعلين في هذه المرحلة الوسيطية؟
وأي دور للدين المسيحي في بلورة فلسفة أوغستين؟
فمن هو القديس
أوغيسطين؟ وكيف كانت حياته، وثقافته؟ وما هي أهم مؤلفاته؟
بقيت الفلسفة الوسيطية
مهملة لمدة طويلة بسبب الظن الخاطئ في كونها مرحلة فكر بربري، غير مثمر، لا فائدة
منه.. ولا دور لها في تنوير عصر النهضة بينما الحقيقة أن فلسفة عصر النهضة لم تجد
توهجها إلا في ارتباطها بالعصر الوسيط أو لنقل لم تمتد جذورها إلى العصور السابقة
التي تغذت منها وتربت قبل أن تنضج وتختمر. وقد زعم أن فلسفة العصور الوسطى ليست
فلسفة حقيقية وإنما هي فكر لاهوتي أي فكر ديني، ونظرات آبائية، وأيديولوجيات
ميتافيزيقية تضع مفاهيم محدودة دينية تسعى من بعد لتبريرها وفلسفتها.. يعني هذا
أنها وضعت الإيمان قبلا، وجعلته ضروريا للعمل العقلي. وقد حاولت أن توافق بينهما
من خلال المبدأ القائل: "آمن كي تتعقل، وتعقل كي تؤمن" فكان دمجها للفلسفة
بالدين، والعقل بالنقل فاعتبرا واحدا حتى من منهجهما كان واحدا رغم تناقضهما لأن
اعتقادهم يعتبرهما أنهما مع من مصدر واحد هو الله، فعبرت عن عصرها بتوفيقها بين
العقل والنقل، والحياة الأخروية التي ساد الاهتمام بها. وأن الإنسان في حينها كان
في وضعية اجتماعية واقتصادية وتاريخية تحتم اللجوء للدين وتعاليمه وتقبل مباحثه
بدل مباحث موضوعية وعلمية ترتكز على سلطان العقل والمناهج والقوانين والعلوم
الطبيعية.
إذن كيف سنجيب عن سؤال
ولادة أوغسطين من ثقافة تنحصر في الأديرة وكتب قليلة وانعدام الكتب اليونانية؟
عرفت الفلسفة الوسيطية مفكرين حاولوا
التوفيق بين الدين والبحث العقلي الحر، وآخرين أقاموا فلسفتهم على منهج عقلي صرف..
نذكر من بينهم أوكام وفرنسيس بيكون على سبيل المثال لا الحصر.
الفلسفة الوسيطية فلسفة
عملية، كان هدفها إنقاذ الإنسان من الخطيئة..
اعتبرت الفلسفة الوسيطية كونها تبحث عن
الخلاص الإنساني أو تخليص الإنسان من الخطيئة، والطريقة الملائمة لإنهاء معاناته
وإبعاده عن الخطأ الذي سقط فيه باختياره دون أن يستطيع الخروج منه بمفرده
وبإرادته.
رواد الفلسفة الوسيطية:
اتصل الدين المسيحي بالفلسفة منذ القرن الثاني الميلادي عندما دخل أناس مشبعين
بثقافة يونانية إلى عهدته فظهرت الفلسفة في المسيحية بمظهر ساطع عندما اتخذ بعض المنتسبين
لها من المسيحيين الجدد موقفا إيجابيا منها كمثل القديس بولس الرسول.. فقد عرف بولس
الرسول بوجود الحكمة اليونانية، لكنه شجبها باسم الحكمة الجديدة التي هي خارقة
للعقل، وتؤمن بالمسيح، وهي حكمة الله، وتخلص" القديس جوستين اعتنق المسيحية
سنة 130م.قال في بحثه عن الفلسفة: "ما يقودنا نحو الله وما يجمعنا
به"_تاتيانوس الذي قال:" أن اليونانيين أخذوا من الكتاب المقدس أفكار
فلسفتهم"... وآخرون.
حياة أغوسطين:
ولد في 13 نوفمبر354م
بمدينة تاغشطا بلدة في نوميديا، كان سكانها الأصليون وثنيين بينما كان معظم
المسيحيين من العائلات ذات الثقافة اليونانية.
_والده باتريكبوس وثنيا
فظ الأخلاق.. عجزه عن إرسال أوغستين لإتمام دراسته بقرطاجة في مرحلة شبابه جعله
ينحرف ويتبع طريق الرذيلة والسوء. عاش في علاقة غير شرعية مدة طويلة أنجب خلالها
ابنا كان اسمه أديودات المثار للإعجاب والكثير الذكاء. كتاب "المعلم"
لأغوستين هو مجموعة موضوعات ناقشها وابنه أديودات. وفاة الأخير سببت حزنا كبيرا
لأغوستين.
_والدته القديسة مونيكا
مسيحية تأثر بها كثيرا رغم أنه في البدء خالف نصائحها لكن صبرها ودعاءها المستمر
له بالمغفرة والهداية كانت له نتائج مهمة على حياته.
_كان هم والده أن يصبح
أوغستين رجلا غنيا ومثقفا.
_نشا أوغستين مستهترا في
حياته، ميالا للكسل. فانحرف سلوكيا وعقديا.
_درس الفقه والقوانين
راغبا في المحاماة والقضاء.
_افتتح مدرسة لتعليم
البيان وهو في التاسعة عشر من عمره.
_أعجب بمذهب شيشرون، قرأ
كتابه"هورطانسيوس" الذي أثار فيه الشوق إلى العفة والبحث عن الحق.
_قرأ الكتاب المقدس ليس
بروح الإيمان والتواضع.
_أغلق على نفسه وسقط في
المانوية (ديانة فارسية قديمة تنسب إلى ماني بن فتك. يعتبرها معظم الغربيين ديانة
غنوصية مشتقة من الديانة المسيحية).
_من الروايات التي قالت بإيمان أوغستين نذكر من بينها:
يحكى أن أغستين بعد
انحرافه، لم تكن أمه القديسة مونيكا تتوقف عن الدعاء له بالخلاص مما هو عليه. وفي
يوم رأت في حلم أنها واقفة على قطعة خشبية ترمز للإيمان والكآبة تشملها، وإذ بفتى
يلمع بهاؤه أمامها يشع الفرح من محياه، ينظر إليها ويسألها عن سبب حزنها، وإذ
أجابت أن ابنها منحرف سلوكيا وعقيديا. قال لها: "تعزي ولا تخافي، فها ولدك
هنا وهو معك". التفت مونيكا لتجد ابنها واقفا معها على الخشبة، فتأكدت أن
الله استجاب لها.
سافر إلى روما باحثا عن
المجد والغنى تاركا أمه غارقة في الحزن.
_أرسل حاكم ميلانو إلى
حاكم روما يطلب أستاذا في البيان فبعث له بأوغسطين.
_التقى القديس أمبروسيوس
أسقف ميلانو فشمله بالحب والحنان وكذلك بادله أوغستين.
_أعجب أوغستين بمواعظه
التي داوم على سماعها لما فيها من قوة البيان، وتفاسيره الروحية للعهد القديم.
فبدأ نور الحق ينكشف أمامه حتى أدرك ما للكنيسة من علامات أنها من الله فيها تتحقق
نبوءات العهد القديم، وفيها يتجلى الكمال الروحي، وتظهر المعجزات.
كل ذلك لم يمنع أوغسطين
من الانهماك على الشهوات ظانا أن حفظ العفة أمر مستحيل. فعاد يقرأ الكتاب المقدس
خاصة رسائل القديس بولس الرسول التي أعجب بها خاصة عند ربطها العهد القديم بالعهد
الجديد.. كل هذا لم يجعله يتخلى عن عاداته الشريرة. لكن في لحظة وخاصة بعد لقائه
بمؤمن حقيقي من كبار رجال الدولة يدعي بنسيانس تطرق فيها الأخير لسيرة القديس أنبا
أنطونيوس وكيف تأثر بها اثنين من أشراف البلاط فتركا كل شيء ليسيرا على منواله.
حار أوغسطين وتساءل،
كيف يغتصب البسطاء الأميون الملكوت ويبقى هو الذي يعلم الكثير يتمرغ في المعاصي؟
فخرج إلى البستان المجاور
لمنزله وارتمى على جدع شجرة تين، وتمثلت أمامه كل شروره فبدأ يصرخ: "عاصفة
شديدة.. دافع عني.. وأنت فحتى متى؟ إلى متى يا رب؟ أتغضب إلى الأبد؟ لا تذكر علينا
ذنوب الأولين فإنني أشعر بأنني قد استعبدت لها.. إلى متى؟ لا تذكر علينا ذنوب
الأولين فإنني أشعر بأنني قد استعبدت لها.. إلى متى؟ إلى متى؟ أ إلى الغد؟ ولما لا
يكون الآن؟ لما لا تكون هذه الساعة حدا فاصلا لنجاستي؟ وبكى بمرارة.. مرارة
شديدة".
في عام 386م حين بلغ من
العمر 32 سنة تغيرت حياته وتجددت بنعمة الله، فتحولت القوة المحترقة شرا إلى قوة
ملتهبة حبا.
فهل تحققت نبوءة القديس
أمبروسيوس؟
ثلاثون سنة من صلاة
القديسة مونيكا تحقق نبوءة القديس أمبروسيوس حين رآها تبكي وقال لها: "ثقي يا
امرأة أنه من المستحيل أن يهلك ابن هذه الدموع".
ترك أغوسطين تدريس البيان
وكرس حياته للتأمل في كلمة الله والخدمة لنوال سر العماد التي نالها بعد ستة أشهر
سنة 387م على يد الأسقف أمبروسيوس. أيامه الأخيرة كانت مليئة بالمآسي والأحزان
خاصة حينما حاصر البرابرة مدينته. فمات قبل أن يدخلوا مدينته وينهبونها.
تعتبر سلطة أوغسطين في
العصر الوسيط كسلطة أرسطو. فقد كانت بمثابة المرجع الأهم لكل عقيدة وسيطية،
وينبوعا لتيارات متنوعة.
وسم أغوستينوس بطابعه
أعمال العصر الوسيط، وأحيت روحه الفكر الوسيطي، ومنحته دفقا ودفعا غنيين. فقد شكل
لذلك العصر فكرا هيمن مدة طويلة جدا، وعقيدة متآلفة القطاعات.. لاهوتية، فلسفية،
اجتماعية وأخلاقية.
أقام تركيبة للفكر القديم
والفكر المسيحي، ومزج بين الثقافة اليونانية اللاتينية والكتب المقدسة.
المعالم الكبرى في
حياته:
العلاقة الوثيقة بين
حياته وعالمه الفكري تحتم الاهتمام والإشارة إلى الحوادث الإنسانية في تطور عمره
الطويل.
ثقافته:
_أحاط بالعديد من الروافد
الفكرية والمعارف.
_الاطلاع على معظم علوم
عصره.
انشغاله بالخطابة، معرفته
باللغة اليونانية، انتفاعه من الآداب القديمة فهو مدين لها بكثير من العرفان
والتقدير في معارفه(يستشهد بذلك 13 مرة بشيشرون، ويورد خمسة أقوال لتيرانس، وواحدة
لأوفيد في كتاب الاعترافات).
الأفلاطونية المحدثة:
الاطلاع على كتب لأفلاطونيين من مثل تاسوعات أفلوطين.. ففي كتابه الاعترافات هناك
تلميحات لذلك.
في هذا يمكن القول أن
الأفلاطونية خدمت أوغستين من الناحية الإيجابية بأخذه منها الكثير، ومن الناحية
السلبية برفضه لبعضها وإظهار عكس ذلك.
مؤلفاته:
ترك أوغستين أكثر من
مائتي رسالة، وخمس مائة موعظة، ومائة وثلاثة عشر مطولة (ضاع منها الكثير) موضوعة
بلاتينية اشتهرت بالمتانة والبلاغة وقوة البيان. وتنقسم هذه المؤلفات إلى عديد
منها أهمها الجانب الديني الذي يطغى على سائرها.
منهجه:
منهج أوغستين ينطلق من
المبدأ الذي يقول: "أومن كي أتعقل" بمعنى أنه حتى مسألة وجود الله ترتكز
على الإيمان وهذا يعني أنه لابد من وجود براهين عقلية. وفي نظره كذلك أن العقل
نفسه يود أن يسبقه الإيمان لأن التعاليم المقدسة تأمرنا بأن نؤمن كي نفهم. وليدعم
هذا قال أنه فتش سنوات عديدة على الحقيقة عن طريق العقل فلم يجدها حتى العقلانية
المانوية التي تبناها طويلا، ونهجها العقلاني لم يوصلانه إلى اليقين. وتبعا للفكرة
القائلة: "لابد لنا أن نعقل كي نؤمن، وأن نؤمن كي نعقل" وازى بين العقل
والإيمان بشكل قطعي وجازم حيث اعتبر أن العقل يبين حقيقة الحقائق الإيمانية، ويمهد
للإيمان مبينا ضرورته ووجوبه هذا في الشطر الأول من المبدأ. أما الجزء الثاني
منها، فيتقدم الإيمان على العقل ويسبقه فيكون الإيمان عقليا وبذلك يؤيد العقل
الحقائق الدينية.. فيثبت وجود الله، وصفاته، ووجود النفس، وروحانيتها وخلودها.
هوامش داعمة للعرض:
الفلسفة وسيلة للسعادة
التي هي مطلب كل إنسان. والموضوع الذي يحقق السعادة يجب أن يتوفر على شرطين:
الشرط الأول: أن يكون
ثابتا مستقلا عن تقلب المصادفة والحظ وإلا نغصت السعادة بالقلق عليها والخوف من
زوالها.
الشرط الثاني: أن يكون
الموضوع كاملا لا مزيد عليه إذ أننا لا نرضى تمام الرضا إلا بالخير الأعم.
ولا يتوفر هذان الشرطان
في غير الله، لأن الله وجده ثابت وكامل.
عرف أن الشر ليس جوهرا،
وإنما فقط عدم الخير وهولا يقتضي صنع الخالق.
اتخذ مبدأ: "إذا قال
ما يسمون فلاسفة شيئا حقا ومطابقا لإيماننا وجب أن نأخذه منهم كما يؤخذ الشيء من
غاصبه". فشرع يتفهم المسيحية من خلا ما اهتدى إليه من فلسفة، ويؤول هذه
الفلسفة على ضوء المسيحية. يقول بعض المؤرخين أن الأفلاطونية هي التي قادته إلا
المسيحية.
اكتشف الفلاسفة حقائق
جليلة ونافعة، لكنهم لم يكتشفوا الحقيقة الضرورية للإنسان، فوقعوا في أضاليل
خطيرة. والعقل لا يستطيع بقوته الطبيعية أن يهتدي إلى كل الحقيقة ولا يسقط في أي
ضلال.
الفلسفة قاصرة على تحويل
النفس من مجرد المعرفة إلى العمل الفاضل.
المسيحية وحدها تعرض
علينا الحكمة كاملة عن الله والنفس، وتوفر الوسائل الفعالة للحياة الصالحة، والاتحاد
بالله. هذه الوسائل هي النعم تحملها الأسرار المقدسة.
إذا أردنا السعادة
والحكمة وجب علينا الإيمان والعمل به,
الإيمان ليس عاطفة غامضة،
وتصديقا عاطلا من الأسباب العقلية، إنه قبول عقلي لحقائق مؤيدة بشهادة شهود جديرين
بالتصديق وهم الرسل والشهداء، وبعلامات خارقة هي المعجزات.
القراءة الثانية للكتاب
المقدس عرفته على أشياء لم يصلها في قراءته الأولى.. فقد وجد المسيح المخلص،
والنعمة الإلهية التي تعين على فعل الخير والتغلب على الشر.
دراسة الفلسفة الوسيطية
لا يجب أن تعتبر فقط فلسفة خاصة بالغرب وإنما هي تمازج فلسفي ديني ناتج عن اتصال
التقاليد الدينية الحية بالفلسفة اليونانية اتصالا تاما.. فقد ساهم الشرق المسيحي،
واليهودي كما العالم العربي الإسلامي في هذا العطاء الفكري لهذه الفترة,
ربط مجمل مؤرخي الفلسفة
الغربية الفلسفة بالعقيدة المسيحية مما جعلها تتميز تماما عن باقي الفلسفات
والحقيقة أن كل شيء كان فيها مشبعا بالدين وأجوائه.
المراجع:
_ أوغسطينوس؛
_ مع مقدمات في العقيدة
المسيحية والفلسفة الوسيطية، الدكتور علي زيعور"1، عن دار اقرأ؛
_ تاريخ الفلسفة الأوربية
في العصر الوسيط، يوسف كرم، مؤرخ وفيلسوف مصري؛
"1 علي زيعور:
أستاذ الفلسفة وعلم النفس
بالجامعة اللبنانية بمدينة بيروت، عضو الهيئة الاستشارية لمجلة الثقافة النفسية
المتخصصة، وعضو الجمعية اللبنانية للدراسات النفسية، باحث وأكاديمي لبناني.
عرفت الفلسفة الوسيطية مفكرين حاولوا
التوفيق بين الدين والبحث العقلي الحر، وآخرين أقاموا فلسفتهم على منهج عقلي صرف..
نذكر من بينهم أوكام وفرنسيس بيكون على سبيل المثال لا الحصر.
الفلسفة الوسيطية فلسفة
عملية، كان هدفها إنقاذ الإنسان من الخطيئة..
اعتبرت الفلسفة الوسيطية كونها تبحث عن
الخلاص الإنساني أو تخليص الإنسان من الخطيئة، والطريقة الملائمة لإنهاء معاناته
وإبعاده عن الخطأ الذي سقط فيه باختياره دون أن يستطيع الخروج منه بمفرده
وبإرادته.
رواد الفلسفة الوسيطية:
اتصل الدين المسيحي بالفلسفة منذ القرن الثاني الميلادي عندما دخل أناس مشبعين
بثقافة يونانية إلى عهدته فظهرت الفلسفة في المسيحية بمظهر ساطع عندما اتخذ بعض المنتسبين
لها من المسيحيين الجدد موقفا إيجابيا منها كمثل القديس بولس الرسول.. فقد عرف بولس
الرسول بوجود الحكمة اليونانية، لكنه شجبها باسم الحكمة الجديدة التي هي خارقة
للعقل، وتؤمن بالمسيح، وهي حكمة الله، وتخلص" القديس جوستين اعتنق المسيحية
سنة 130م.قال في بحثه عن الفلسفة: "ما يقودنا نحو الله وما يجمعنا
به"_تاتيانوس الذي قال:" أن اليونانيين أخذوا من الكتاب المقدس أفكار
فلسفتهم"... وآخرون.
حياة أغوسطين:
ولد في 13 نوفمبر354م
بمدينة تاغشطا بلدة في نوميديا، كان سكانها الأصليون وثنيين بينما كان معظم
المسيحيين من العائلات ذات الثقافة اليونانية.
_والده باتريكبوس وثنيا
فظ الأخلاق.. عجزه عن إرسال أوغستين لإتمام دراسته بقرطاجة في مرحلة شبابه جعله
ينحرف ويتبع طريق الرذيلة والسوء. عاش في علاقة غير شرعية مدة طويلة أنجب خلالها
ابنا كان اسمه أديودات المثار للإعجاب والكثير الذكاء. كتاب "المعلم"
لأغوستين هو مجموعة موضوعات ناقشها وابنه أديودات. وفاة الأخير سببت حزنا كبيرا
لأغوستين.
_والدته القديسة مونيكا
مسيحية تأثر بها كثيرا رغم أنه في البدء خالف نصائحها لكن صبرها ودعاءها المستمر
له بالمغفرة والهداية كانت له نتائج مهمة على حياته.
_كان هم والده أن يصبح
أوغستين رجلا غنيا ومثقفا.
_نشا أوغستين مستهترا في
حياته، ميالا للكسل. فانحرف سلوكيا وعقديا.
_درس الفقه والقوانين
راغبا في المحاماة والقضاء.
_افتتح مدرسة لتعليم
البيان وهو في التاسعة عشر من عمره.
_أعجب بمذهب شيشرون، قرأ
كتابه"هورطانسيوس" الذي أثار فيه الشوق إلى العفة والبحث عن الحق.
_قرأ الكتاب المقدس ليس
بروح الإيمان والتواضع.
_أغلق على نفسه وسقط في
المانوية (ديانة فارسية قديمة تنسب إلى ماني بن فتك. يعتبرها معظم الغربيين ديانة
غنوصية مشتقة من الديانة المسيحية).
_من الروايات التي قالت بإيمان أوغستين نذكر من بينها:
يحكى أن أغستين بعد
انحرافه، لم تكن أمه القديسة مونيكا تتوقف عن الدعاء له بالخلاص مما هو عليه. وفي
يوم رأت في حلم أنها واقفة على قطعة خشبية ترمز للإيمان والكآبة تشملها، وإذ بفتى
يلمع بهاؤه أمامها يشع الفرح من محياه، ينظر إليها ويسألها عن سبب حزنها، وإذ
أجابت أن ابنها منحرف سلوكيا وعقيديا. قال لها: "تعزي ولا تخافي، فها ولدك
هنا وهو معك". التفت مونيكا لتجد ابنها واقفا معها على الخشبة، فتأكدت أن
الله استجاب لها.
سافر إلى روما باحثا عن
المجد والغنى تاركا أمه غارقة في الحزن.
_أرسل حاكم ميلانو إلى
حاكم روما يطلب أستاذا في البيان فبعث له بأوغسطين.
_التقى القديس أمبروسيوس
أسقف ميلانو فشمله بالحب والحنان وكذلك بادله أوغستين.
_أعجب أوغستين بمواعظه
التي داوم على سماعها لما فيها من قوة البيان، وتفاسيره الروحية للعهد القديم.
فبدأ نور الحق ينكشف أمامه حتى أدرك ما للكنيسة من علامات أنها من الله فيها تتحقق
نبوءات العهد القديم، وفيها يتجلى الكمال الروحي، وتظهر المعجزات.
كل ذلك لم يمنع أوغسطين
من الانهماك على الشهوات ظانا أن حفظ العفة أمر مستحيل. فعاد يقرأ الكتاب المقدس
خاصة رسائل القديس بولس الرسول التي أعجب بها خاصة عند ربطها العهد القديم بالعهد
الجديد.. كل هذا لم يجعله يتخلى عن عاداته الشريرة. لكن في لحظة وخاصة بعد لقائه
بمؤمن حقيقي من كبار رجال الدولة يدعي بنسيانس تطرق فيها الأخير لسيرة القديس أنبا
أنطونيوس وكيف تأثر بها اثنين من أشراف البلاط فتركا كل شيء ليسيرا على منواله.
حار أوغسطين وتساءل،
كيف يغتصب البسطاء الأميون الملكوت ويبقى هو الذي يعلم الكثير يتمرغ في المعاصي؟
فخرج إلى البستان المجاور
لمنزله وارتمى على جدع شجرة تين، وتمثلت أمامه كل شروره فبدأ يصرخ: "عاصفة
شديدة.. دافع عني.. وأنت فحتى متى؟ إلى متى يا رب؟ أتغضب إلى الأبد؟ لا تذكر علينا
ذنوب الأولين فإنني أشعر بأنني قد استعبدت لها.. إلى متى؟ لا تذكر علينا ذنوب
الأولين فإنني أشعر بأنني قد استعبدت لها.. إلى متى؟ إلى متى؟ أ إلى الغد؟ ولما لا
يكون الآن؟ لما لا تكون هذه الساعة حدا فاصلا لنجاستي؟ وبكى بمرارة.. مرارة
شديدة".
في عام 386م حين بلغ من
العمر 32 سنة تغيرت حياته وتجددت بنعمة الله، فتحولت القوة المحترقة شرا إلى قوة
ملتهبة حبا.
فهل تحققت نبوءة القديس
أمبروسيوس؟
ثلاثون سنة من صلاة
القديسة مونيكا تحقق نبوءة القديس أمبروسيوس حين رآها تبكي وقال لها: "ثقي يا
امرأة أنه من المستحيل أن يهلك ابن هذه الدموع".
ترك أغوسطين تدريس البيان
وكرس حياته للتأمل في كلمة الله والخدمة لنوال سر العماد التي نالها بعد ستة أشهر
سنة 387م على يد الأسقف أمبروسيوس. أيامه الأخيرة كانت مليئة بالمآسي والأحزان
خاصة حينما حاصر البرابرة مدينته. فمات قبل أن يدخلوا مدينته وينهبونها.
تعتبر سلطة أوغسطين في
العصر الوسيط كسلطة أرسطو. فقد كانت بمثابة المرجع الأهم لكل عقيدة وسيطية،
وينبوعا لتيارات متنوعة.
وسم أغوستينوس بطابعه
أعمال العصر الوسيط، وأحيت روحه الفكر الوسيطي، ومنحته دفقا ودفعا غنيين. فقد شكل
لذلك العصر فكرا هيمن مدة طويلة جدا، وعقيدة متآلفة القطاعات.. لاهوتية، فلسفية،
اجتماعية وأخلاقية.
أقام تركيبة للفكر القديم
والفكر المسيحي، ومزج بين الثقافة اليونانية اللاتينية والكتب المقدسة.
المعالم الكبرى في
حياته:
العلاقة الوثيقة بين
حياته وعالمه الفكري تحتم الاهتمام والإشارة إلى الحوادث الإنسانية في تطور عمره
الطويل.
ثقافته:
_أحاط بالعديد من الروافد
الفكرية والمعارف.
_الاطلاع على معظم علوم
عصره.
انشغاله بالخطابة، معرفته
باللغة اليونانية، انتفاعه من الآداب القديمة فهو مدين لها بكثير من العرفان
والتقدير في معارفه(يستشهد بذلك 13 مرة بشيشرون، ويورد خمسة أقوال لتيرانس، وواحدة
لأوفيد في كتاب الاعترافات).
الأفلاطونية المحدثة:
الاطلاع على كتب لأفلاطونيين من مثل تاسوعات أفلوطين.. ففي كتابه الاعترافات هناك
تلميحات لذلك.
في هذا يمكن القول أن
الأفلاطونية خدمت أوغستين من الناحية الإيجابية بأخذه منها الكثير، ومن الناحية
السلبية برفضه لبعضها وإظهار عكس ذلك.
مؤلفاته:
ترك أوغستين أكثر من
مائتي رسالة، وخمس مائة موعظة، ومائة وثلاثة عشر مطولة (ضاع منها الكثير) موضوعة
بلاتينية اشتهرت بالمتانة والبلاغة وقوة البيان. وتنقسم هذه المؤلفات إلى عديد
منها أهمها الجانب الديني الذي يطغى على سائرها.
منهجه:
منهج أوغستين ينطلق من
المبدأ الذي يقول: "أومن كي أتعقل" بمعنى أنه حتى مسألة وجود الله ترتكز
على الإيمان وهذا يعني أنه لابد من وجود براهين عقلية. وفي نظره كذلك أن العقل
نفسه يود أن يسبقه الإيمان لأن التعاليم المقدسة تأمرنا بأن نؤمن كي نفهم. وليدعم
هذا قال أنه فتش سنوات عديدة على الحقيقة عن طريق العقل فلم يجدها حتى العقلانية
المانوية التي تبناها طويلا، ونهجها العقلاني لم يوصلانه إلى اليقين. وتبعا للفكرة
القائلة: "لابد لنا أن نعقل كي نؤمن، وأن نؤمن كي نعقل" وازى بين العقل
والإيمان بشكل قطعي وجازم حيث اعتبر أن العقل يبين حقيقة الحقائق الإيمانية، ويمهد
للإيمان مبينا ضرورته ووجوبه هذا في الشطر الأول من المبدأ. أما الجزء الثاني
منها، فيتقدم الإيمان على العقل ويسبقه فيكون الإيمان عقليا وبذلك يؤيد العقل
الحقائق الدينية.. فيثبت وجود الله، وصفاته، ووجود النفس، وروحانيتها وخلودها.
هوامش داعمة للعرض:
الفلسفة وسيلة للسعادة
التي هي مطلب كل إنسان. والموضوع الذي يحقق السعادة يجب أن يتوفر على شرطين:
الشرط الأول: أن يكون
ثابتا مستقلا عن تقلب المصادفة والحظ وإلا نغصت السعادة بالقلق عليها والخوف من
زوالها.
الشرط الثاني: أن يكون
الموضوع كاملا لا مزيد عليه إذ أننا لا نرضى تمام الرضا إلا بالخير الأعم.
ولا يتوفر هذان الشرطان
في غير الله، لأن الله وجده ثابت وكامل.
عرف أن الشر ليس جوهرا،
وإنما فقط عدم الخير وهولا يقتضي صنع الخالق.
اتخذ مبدأ: "إذا قال
ما يسمون فلاسفة شيئا حقا ومطابقا لإيماننا وجب أن نأخذه منهم كما يؤخذ الشيء من
غاصبه". فشرع يتفهم المسيحية من خلا ما اهتدى إليه من فلسفة، ويؤول هذه
الفلسفة على ضوء المسيحية. يقول بعض المؤرخين أن الأفلاطونية هي التي قادته إلا
المسيحية.
اكتشف الفلاسفة حقائق
جليلة ونافعة، لكنهم لم يكتشفوا الحقيقة الضرورية للإنسان، فوقعوا في أضاليل
خطيرة. والعقل لا يستطيع بقوته الطبيعية أن يهتدي إلى كل الحقيقة ولا يسقط في أي
ضلال.
الفلسفة قاصرة على تحويل
النفس من مجرد المعرفة إلى العمل الفاضل.
المسيحية وحدها تعرض
علينا الحكمة كاملة عن الله والنفس، وتوفر الوسائل الفعالة للحياة الصالحة، والاتحاد
بالله. هذه الوسائل هي النعم تحملها الأسرار المقدسة.
إذا أردنا السعادة
والحكمة وجب علينا الإيمان والعمل به,
الإيمان ليس عاطفة غامضة،
وتصديقا عاطلا من الأسباب العقلية، إنه قبول عقلي لحقائق مؤيدة بشهادة شهود جديرين
بالتصديق وهم الرسل والشهداء، وبعلامات خارقة هي المعجزات.
القراءة الثانية للكتاب
المقدس عرفته على أشياء لم يصلها في قراءته الأولى.. فقد وجد المسيح المخلص،
والنعمة الإلهية التي تعين على فعل الخير والتغلب على الشر.
دراسة الفلسفة الوسيطية
لا يجب أن تعتبر فقط فلسفة خاصة بالغرب وإنما هي تمازج فلسفي ديني ناتج عن اتصال
التقاليد الدينية الحية بالفلسفة اليونانية اتصالا تاما.. فقد ساهم الشرق المسيحي،
واليهودي كما العالم العربي الإسلامي في هذا العطاء الفكري لهذه الفترة,
ربط مجمل مؤرخي الفلسفة
الغربية الفلسفة بالعقيدة المسيحية مما جعلها تتميز تماما عن باقي الفلسفات
والحقيقة أن كل شيء كان فيها مشبعا بالدين وأجوائه.
المراجع:
_ أوغسطينوس؛
_ مع مقدمات في العقيدة
المسيحية والفلسفة الوسيطية، الدكتور علي زيعور"1، عن دار اقرأ؛
_ تاريخ الفلسفة الأوربية
في العصر الوسيط، يوسف كرم، مؤرخ وفيلسوف مصري؛
"1 علي زيعور:
أستاذ الفلسفة وعلم النفس بالجامعة اللبنانية بمدينة بيروت، عضو الهيئة الاستشارية لمجلة الثقافة النفسية المتخصصة، وعضو الجمعية اللبنانية للدراسات النفسية، باحث وأكاديمي لبناني.



إرسال تعليق