U3F1ZWV6ZTUxMzY4MzYzNTE5MzMxX0ZyZWUzMjQwNzYwNTU3NDcyNg==

أغورا فلسفة_ ديكارت والمسار الجديد للفكر

#أغورا_فلسفة#محمد_نفاع#ديكارت_و_المسار_الجديد_للفكر

 ديكارت والمسار الجديد للفكر

لا يمكن أن نكتب عن ديكارت دون أن نكون قد طالعنا وتدارسنا بشكل موسع وعميق جل ما كتبه وكتب عنه.. باعتبار لحظة ديكارت الفكرية لحظة فارقة ومهمة في تاريخ الفكر الإنساني الفلسفي والعلمي... فأي سياق ظهر فيه ديكارت ومنهجه العقلي الذي زعزع أركان الفكر الإنساني؟ هل كان ديكارت مفكرا موضوعيا وأصيلا حين أبرز منهجه الشكي الذي غير شكل تفكير العالم؟ أم أن هذه الحلقة المهمة قدر لها أن توجد حين كان يجب عليها أن تظهر وأن تبدو في الزمان والمكان المحددين؟

 حسب اعتقادي، فبقدر ما كتب عن ديكارت ومنهجه.. بقدر ما لم يوضح الكثير عن ذلك رغم مرور قرون عديدة عن موته، لأن ما كتب عن فكر وعلم ديكارت ليس إلا إعادة نفس ما كتب بطرق مختلفة بمضمون واحد حتى وإن ظهر بأشكال مختلفة، لأن العقول التي قرأت ديكارت وأعادت كتابته كانت متعددة ومختلفة.. قرأته وكتبته في سياقات متعددة، مختلفة، بشحنات عاطفية، عقلية، سياسية، اقتصادية ونفسية مختلفة كذلك؛ وكأن حبل دهشة ديكارت الأولى، يكبل عقول قارئيه وخاصة معجبيه والمتأثرين بكتاباته.
يقول ديكارت:" لابد من التخلي عن كل شيء في حياتي تماما ومرة واحدة إذا أردت إثبات أي شيء راسخ ودائم في العلوم". فديكارت هنا نفسه يدعو إلى التخلي عن كل ما سبق من أفكار وأوهام كهف كي ننطلق بالفكر والإنسان إن صح التعبير نحو آفاق جديدة ومستقبل زاخر بالحياة والسعادة وكأن ديكارت يقول لنا: "لي حياتي ولكم حياتكم". فديكارت دعا إلى التحرر من كافة الهموم التي تعيق تقدم الإنسان والمعرفة وهنا إشارة إلى وجوب تجاوز كتاباته إلى ما هو أرقى وأفضل وأنفع بلغة البرغماتيين، لجعل الذات الإنسانية ذاتا فاعلة ومتحررة تقرر مصيرها دون وساطة كما فعل هو، وتتسامى حيث الوجود الحقيقي والمتعالي. وقد قال في هذا الصدد:" لقد حررت اليوم عقلي من كافة الهموم، أنا وحيد تماما، وأخيرا سيكون لدي الوقت لتكريس نفسي بجد وحرية للتخلص من جميع آرائي السابقة، ولكن كيف يمكنني إثبات الحقيقة الراسخة والدائمة باستخدام عقلي فقط؟ سؤال علمي يحيل إلى أكثر من حياة وحريات، وآفاق للتفكير والإنوجاد.. فكيف ننوجد في عالم دائم التوتر والاختلالات والحيرة والقلق؟
  
لقد لازم سؤال الشك الديكارتي فكره منذ الوهلة الأولى الذي استفزه واقع لا يمثله، واقع مخادع كشيطان ماكر.. فيه القوي -الكنيسة- يقتل الضعيف -كل من كان تحت حكمها- وكأن العالم عاد لحياة الطبيعة.. لذلك كان لابد من صراع ماكر لإعادة بعض توازن العالم. وباعتبار الفلسفة هي مصدر السؤال، به تقيم وعليه تهتدي للخلاص.. فإن سؤال الفلسفة عند ديكارت أسس طريقة جديدة تجعل الفلسفة قريبة من هموم الناس، منها ترتوي وتنتعش..
  لتحيا. فهل استطاع فعلا ديكارت أن يجعل الفلسفة قريبة من هموم الناس؟ وإذا كانت الفلسفة هي محاولة يراد بها معرفة الوجود ومعرفة الإنسان.. فكيف كان لمنهج ديكارت تلك القوة التي استنفرت قوى الفكر الإنساني بكل أنساقه وتياراته و أسست لنمط فكري جديد استفز شعور العالم وفكره ووجوده ككل؟



في كتابه "التأملات 1641م" دعا ديكارت إلى التأمل ومعرفة الأفكار الكاذبة والمشكوك فيها التي قبلناها طيلة حياتنا خانعين لها، وجاعلين إياها منهجا لطريقنا ومستقبلا لأجيالنا.


في بلورة منهجه الفكري تحدث ديكارت عن حلم كشف له النقاب عن المهمة الأساسية التي يجب أن تقوم بها الفلسفة وعليها تقيم أركان سؤالها.. نتساءل ونسائل ديكارت، أ ليس حلمك هو نفس حلم الخليفة العباسي المأمون بأرسطو طاليس كذلك ودعوته له إلى كشف النقاب عن المهمة الأساسية للفلسفة؟ وبالتالي يمكننا القول أن الفكر الإنساني مرتبط بشكل سببي وحتمي وتراكمي تطوري باعتبار الفكر الذي انبرى وانكشف وظهر مع ديكارت ما هو إلا اجتهاد وعقلنة لتفكير بدائي بلغة ليفي شتراوس . يقول نيوتن مؤسس العلم الحديث في مقدمة كتابه" حول حركة الأجسام" عن غاليليو:" أنا لا أعرف كيف أبدو للعالم، غير أني أرى نفسي كصبي يلعب على شاطئ غاليليو الذي ترك لنا محيطا كبيرا من الحقائق".
حلم ديكارت هو الليلة التي سيؤسس فيها طريقة تفكير وتحليل ومراجعة جديدة لفكر وعلم جديدين سيغيران مسار تفكير وحياة المجتمع الغربي، ومن سار على منهجه. وهي الليلة التي بدأ فيها التأسيس للفلسفة الجديدة، والحياة الجديدة.. وفي اعتقادي أن الفلاسفة لا قبل ديكارت ولا بعده ما هم إلا حلقة متصلة من الاجتهادات النظرية والعملية حاولت كل واحدة منها أن توضح وتعمل على إبراز مهمة الفلسفة من خلال ما قاله أبيقور (بوعي أو بلا وعي): "الفلسفة ترشدنا إلى السعادة الحقة". وأن واجب العلوم هو إنقاذنا من النماذج الخاطئة للسعادة. فهل كل ما كتب عن السعادة الإنسانية أوفى حقها أوفاها حقها؟ أم أن قوى قاهرة و مستبدة منعت هذا التأسيس؟
قيل عن ديكارت عندما كتب "مقال في المنهج " إنه لم ينحز لطرف على آخر؛ وإنما انحاز إلى الحقيقة العلمية والفلسفية. فهل ما قاله فعلا يؤكد انحيازه إلى الحقيقة العلمية والفلسفية فقط أم تعداه إلى الكذب ومواراة الحقيقة خوفا من مصير سابقيه الذين تمردوا وقتلوا أو أحرقوا؟

 يقول:" مرت السنين الست دون أن أتحيز إلى جانب فيما يخص المسائل التي يناقشها المثقفون أو دون أن أشرع في البحث عن أسس أية فلسفة أكثر يقين من الفلسفة المتفق عليها، فالمثال الذي كان أمامي للمفكرين الكبار الكثر الذين سبق أن خاضوا في هذا المشروع، ولم تتكلل جهودهم بالنجاح على حد علمي، جعلني أتخيل أن الصعوبات ستكون كبيرة جدا، لدرجة أنني لن أجرؤ على البدء في مشروعي الفلسفي".



إن السياق الذي كان يحكم اللحظة الديكارتية كان شرسا ومستبدا في معاملته مع من يخرج عن نسقه وطاعته (طبعا هنا نتحدث عن الكنيسة الكاثوليكية) وقد عايش ديكارت محاكمة غاليليو الذي فرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله بعد أن تجاوز السبعين من عمره إلى أن مات، ويعلم مصير سقراط الذي قتل مسموما من لأنه حاول قول الحقيقة، ومصير برونو الذي أحرق حيا.. فكيف سيحقق ديكارت لمشروعه النجاح دون الدخول في صدام يعلم أنه مقتول أو محروق بسببه.. وما يجيز لنا تأكيد ذلك قوله لأحد أصدقائه:" ليس من الحكمة أن يفقد المرء حياته عندما يكون بإمكانه إنقاذها دون خزي". إذن فدهاء ديكارت نتيجة منطقية صحيحة لمقدمة "حلم" دهاء فكري مارسه ديكارت من أجل تمرير خطاب رام به ضرب أركان الكنيسة الكاثوليكية التي تستبد بكل شيء كوسيط غير عادل بين الحقيقة وحياة الناس.. لذلك تعامل مع الكنيسة بمكر ودهاء وخبث المفكرين الجادين في بناء مشروع خلاص بحيث أظهر الولاء عندما كتب باللاتينية وأخفى الفخ الفكري(تمرده) المنصوب خلسة للكنيسة من خلال كتابته باللغة الفرنسية التي حاول البناء عبرها الأسس التي سيتم بها القضاء على الكنيسة وتقويض أركانها.. وهي تقريبا العملية التي اعتمدها ديكارت لتقريب الفلسفة من هموم الناس.. وإنضاجها كطريقة تفكير جديد (الحلم) الذي سيغير مجرى تاريخ الإنسانية كما حدث سابقا مع ما ترجمه العرب والمسلمون من خلال حلم المأمون.
مات ديكارت ولم يمت عقله بل تمادى في مكره ونضجه مع سبينوزا الذي أكمل هذا المشروع بكل تفان ومسؤولية حتى
 أشتد عوده وتقوى.. لتكتمل هذه الثمرة الفكرية الرائدة وتنضج مع فلاسفة الأنوار الذين أسسوا لثورة النور العقلي.
فهل مات فكر ديكارت؟ أم استمر في النضج، والتقدم، والتعقل، والتغير؟ أم أن تغيره هو المآل الحتمي الذي كانت سيصله معه أم مع من كان سيأتي بعده؟ فإذا كانت الفلسفة هي مفتاح كل علم،
 وأن من لا يسأل ويتساءل ويندهش.. كيف يمكنه أن يعرف ويتعلم ويرقى؟ ولأننا عندما نتكلم، فإننا نتفلسف بشكل غامض بمعنى أننا لا نقول كل شيء ونريد أن نعلم. لأن الفلسفة لا تقول كل شيء.. كما لم يقل ديكارت كل شيء.. تكلم بشكل غامض وكتب خطابا مدسوسا بالمكر والخداع سربه في دواليب الحكم الكنسي فتشبع الشعب ترياقا ربما كان ذلك بوعي أو دون وعي إلى أن اكتمل الرشد وتحقق بعضا من السعادة التي ترجوها الفلسفة وتتمناها.  

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة